فصل: الخضر يعلم الأذكار الصوفية

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة **


 الخضر يصلي على المذهب الشافعي

من أطرف القصص ما ذكره أحمد الفاروقي السرهندي في كتابه المنتخبات أنه رأى الخضر وإلياس عليهما السلام حضرا عنده في حلقة الدرس وأن الخضر قال له إنهما من عالم الأرواح وأنهما يتشكلان بما شاءا من الصور‏.‏‏.‏ وأنه أي السرهندي هذا سأل الخضر هل تصلون بمذهب الشافعي فقال له الخضر لسنا مكلفين بالشرائع‏!‏‏!‏ ولكن لأن قطب الزمان الشافعي فنحن نصلي وراءه على مذهبه الشافعي‏.‏‏.‏ ويعلن السرهندي على ذلك فيقول إن كمالات الولاية مختصة بالمذهب الشافعي، وأما كمالات النبوة فهي من اختصاص المذهب الحنفي‏!‏‏!‏ ولذلك عندما ينزل عيسى بن مريم فإنه يصلي ويعمل بالمذهب الحنفي‏!‏‏!‏ وإليك نص أحمد السرهندي في هذه الخرافات قال‏:‏

المكتوب الثاني والثمانون والمئتان إلى الملا بديع في بيان ملاقاة الخضر وإلياس عليها السلام وبيان نبذة من أحوالهما الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد مضت مدة من استفسار الأصحاب عن أحوال الخضر على نبينا عليه الصلاة والسلام‏.‏ ولما لم يكن للفقير اطلاع على أحواله كما ينبغي كنت متوقفًا في الجواب فرأيت اليوم في حلقة الصبح أن الإلياس والخضر عليهما السلام حضرا في صورة الروحانيين فقال الخضر بالإلقاء الروحاني‏:‏

نحن من عالم الأرواح قد أعطى الحق سبحانه أرواحنا قدرة كاملة بحيث تتشكل وتتمثل بصورة الأجسام ويصدر عنها ما يصدر عن الأجسام من الحركات والسكنات الجسمانية والطاعات والعبادات الجسدية‏.‏ فقلت له في تلك الأثناء‏:‏ أنتم تصلون الصلاة بالمذهب الشافعي‏.‏ فقال نحن لسنا مكلفين بالشرائع، ولكن لما كانت كفاية مهمات قطب الدار مربوطة بنا وهو على مذهب الإمام الشافعي نصلي نحن أيضًا وراءه بمذهب الإمام الشافعي ـ رضي الله عنه ـ فعلم في ذلك الوقت أنه لا يترتب الجزاء على طاعتهم بل تصدر عنهم الطاعة والعبادة موافقة لأهل الطاعة ومراعاة لصورة العبادة وعلم أيضًا أن كمالات الولاية موافقة لفقه الشافعي وكمالات النبوة موافقة لفقه الحنفي فعلم في ذلك الوقت حقيقة كلام الخواجة محمد بارسا قدس سره حيث ذكر في الفصول الستة نقلًا أن عيسى عليه وعلى نبينا السلام يعمل بعد نزوله بمذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه رضي الله عنه فوقع في الخاطر في ذلك الوقت أن نستمد بهما وأن نطلب منهما الدعاء فقال إذا كانت عناية الحق سبحانه شاملة لحال الشخص فلا مدخل لنا هناك وكأنهم أخذوا أنفسهم من البين‏.‏ وأما إلياس على نبينا وعليه الصلاة والسلام فلم يتكلم في ذلك الوقت أصلًا والسلام ‏(‏المنتخبات من المكتوبات لأحمد الفاروقي ص91 طبع تركيا‏)‏‏.‏

 الخضر حنفي وليس شافعيًا

ويبدو أن الكشف السابق لما يسمونه بالعالم الرباني أحمد السرهندي الذي أراد به التنقص من المذهب الشافعي وعلاء منزلة المذهب الحنفي وذلك أنه جعل المذهب الحنفي للأنبياء، والمذهب الشافعي للأولياء‏.‏‏.‏ أقول يبدو أنه لم يطلع على كشف الشعراني الذي زعم أن الخضر كان حنفيًا ولم يكن شافعيًا حيث ذكر في كتاب معارج الألباب عن بعض شيوخه أنه ذكر له أن الخضر ـ عليه السلام ـ كان يحضر مجلس فقه أبي حنيفة في كل يوم بعد صلاة الصبح يتعلم منه الشريعة فلما مات ‏(‏أي أبو حنيفة‏)‏ سأل الخضر ربه أن يرد روح أبي حنيفة إلى قبره حيث يتم له علم الشريعة وأن الخضر كان يأتي إليه كل يوم على عادته يسمع منه الشريعة داخل القبر وأقام على ذلك خمس عشرة سنة حتى أكمل علم الشريعة ‏(‏معارج الألباب ص44‏)‏‏.‏

فانظر أي تخليط وكذب سمج، فهذا الخضر المزعوم أين هو من تعلم الشريعة على يد محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهم يزعمون أنه كان حيًا ذلك الوقت ولماذا لم يتتلمذ على الخلفاء الراشدين وهم أعلم الناس بالشريعة‏.‏‏.‏ ولقد قال أبو حنيفة نفسه‏:‏ دعوا قولي لقول أصحاب رسول الله فإنهم كانوا أعلم بالتنزيل‏!‏‏!‏ فإذا كان أبو حنيفة يأمرنا أن نترك قوله لقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقول أصحابه فكيف يترك الخضر المزعوم تعلم الشريعة عن الرسول وأصحابه وينتظر حيًا حتى يأتي أبو حنيفة ليتعلم منه الشريعة‏.‏‏.‏ ثم أي تلميذ بليد هذا الخضر الصوفي المزعوم حتى يمكث مع أبي حنيفة كل حياته ولا يستطيع أن يتعلم علمه‏.‏‏.‏ ويدعو الله أن يظل أبو حنيفة حيًا في قبره ليستكمل الدراسة ويستمر في التردد على القبر يوميًا لمدة خمس عشرة سنة ليتعلم علم أبو حنيفة فضلًا عن عشرات السنين قبل ذلك‏!‏‏!‏

ثم كيف يكون الخضر هو ممد الأولياء ومعلمهم وهو بهذه البلادة وقلة الحفظ‏!‏‏!‏

لقد فات الذين يفترون هذه القصص كل هذه الأمور، ولكن لأنهم لم تكن لهم عقول سليمة فإنهم كذبوا مثل هذا الكذب السمج‏.‏

ورحم الله الإمام الشافعي القائل‏:‏ ‏"‏لا أرى أن رجلًا يتصوف أول النهار حتى يكون أحمق في آخره‏"‏‏.‏‏.‏ وقال‏:‏ ‏"‏لا أرى أن رجلًا يصاحب الصوفية أربعين يومًا فيعود إليه عقله أبدًا‏"‏‏.‏

وهؤلاء لا شك أنهم كانوا كذلك حمقى مجانين ذهبت عقولهم ولم ترجع إليهم أبدًا‏.‏

والعجيب أن مثل هذه الخرافات تظل تسري وتجري فقد زعم الحصفكي الحنفي في مقدمة كتابه الدر المختار أن الخضر أودع أوراق المذهب الحنفي في نهر جيحون إلى وقت نزول عيسى ـ عليه السلام ـ حتى إذا نزل أخذ هذه الصحائف وتعلم منها المذهب الحنفي حتى يحكم به في آخر الزمان‏!‏‏!‏

 الخضر يعلم الأذكار الصوفية

الخضر الصوفي المزعوم يكاد يكون في كل ميدان من ميادين التصوف، فهو صاحب الكشف وهو نقيب الأولياء، وهو آخذ العهود، وهو مرشد الأنام، وهو معلم الأذكار‏.‏ يقول أحمد بن إدريس‏:‏ ‏"‏اجتمعت بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ اجتماعًا صوريًا ومعه الخضر ـ عليه السلام ـ فأمر النبي ـ عليه السلام ـ الخضر أن يلقنني أذكار الطريقة الشاذلية فلقنني إياها بحضرته ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏"‏ ‏(‏مفاتيح كنوز السماوات والأرض لصالح محمد الجعفري ص8‏)‏ ويستطرد أيضًا قائلًا‏:‏ ‏"‏ثم قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ للخضر ـ عليه السلام ـ يا خضر لقنه ما كان جامعًا لسائر الأذكار والصلوات والاستغفار‏"‏ ‏(‏مفاتيح كنوز السماوات والأرض لصالح محمد الجعفري ص8‏)‏‏.‏

قلت اعلم أن أذكار الطريقة الشاذلية هذه فيها كفر وشرك فمن أذكارها صلاة ابن مشيش ‏(‏اللهم انشلني من أوحال التوحيد، وأغرقني في عين بحر الوحدة‏)‏ وفيها أن محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو أصل هذا الوجود وأول مخلوق فيه ومنه انشقت كل الأنوار وظهرت كل الموجودات ‏(‏اقرأ الباب الخاص بالحقيقة المحمدية، والباب الخاص بالذكر الصوفي‏)‏‏.‏‏.‏

والمهم هنا التنبيه على أن الخضر الصوفي يختلف تمامًا عن الخضر الذي ذكره الله في القرآن وقص علينا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قصته‏.‏ فذاك نبي عبد موحد مؤمن على علم من علم الله بالوحي عاش ومات لوقته وزمانه وفعل ما فعل موافقًا للحق والشريعة أما الخضر الصوفي فهو ما رأينا مصدرًا للخرافة والجهل والشرك ولذلك أخبر الإمام ابن تيمية بأن الخضر المزعوم هذا لا حقيقة له شأنه في ذلك شأن الغوث والقطب الصوفي، ومنتظر الرافضة‏.‏

 الخضر الصوفي خرافة لا حقيقة

يقول الإمام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في رسالة زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور ما نصه‏:‏

‏"‏ثلاثة أشياء ما لها من أصل‏:‏ باب النصيرية، ومنتظر الرافضة، وغوث الجهال، فإن النصيرية تدعي في الباب الذي لهم أنه الذي يقيم العالم فذاك شخصه موجود ولكن دعوى النصيرية فيه باطلة، وأما محمد بن الحسن المنتظر، والغوث المقيم بمكة ونحو هذا فإنه باطل ليس له وجود، وكذلك ما يزعمه بعضهم من أن القطب الغوث الجامع يمد أولياء الله ويعرفهم كلهم ونحو هذا فهذا باطل، فأبو بكر وعمر رضي الله عنهما لم يكونا يعرفان جميع أولياء الله ولا يمدانهم فكيف بهؤلاء الضالين المغترين الكذابين، ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سيد ولد آدم إنما عرف الذين لم يكن رآهم من أمته بسيماء الوضوء هو الغرة والتحجيل ومن هؤلاء من أولياء الله لا يحصيه إلا الله ـ عز وجل ـ وأنبياء الله الذي هو إمامهم وخطيبهم لم يكن يعرف أكثرهم بل قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد أرسلنا رسلًا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 78‏]‏‏.‏ وموسى لم يكن يعرف الخضر، والخضر لم يكن يعرف موسى بل لما سلم عليه موسى قال له الخضر‏:‏ وإني بأرضك السّلام، فقال له‏:‏ أنا موسى، قال‏:‏ موسى بني إسرائيل‏؟‏ قال‏:‏ نعم، وقد كان بلغه اسمه وخبره ولم يكن يعرف عينه ومن قال أنه نقيب الأولياء أو أنه يعلمهم كلهم فقد قال الباطل‏.‏ والصواب الذي عليه المحققون أنه ميت وأنه لم يدرك الإسلام ولو كان موجودًا، في زمان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لوجب عليه أن يؤمن به ويجاهد معه كما أوجب الله ذلك عليه وعلى غيره ولكان يكون في مكة والمدينة ولكان يكون حضوره مع الصحابة للجهاد معهم وإعانتهم على الدين أولى به من حضوره عند قوم كفار ليرفع لهم سفينتهم ولم يكن مختفيًا عن خير أمة أخرجت للناس وهو قد كان بين المشركين ولم يحتجب عنهم ثم ليس للمسلمين به وأمثاله حاجة في دينهم ودنياهم، فإن دينهم أخذوه عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ النبي الأمي الذي علمهم الكتاب والحكمة وقال لهم نبيهم ‏(‏لو كان موسى حيًا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم‏)‏ وعيسى بن مريم ـ عليه السلام ـ إذا نزل من السماء إنما يحكم فيهم بكتاب ربهم وسنة نبيهم فأي حاجة لهم مع هذا إلى الخضر وغيره والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد أخبرهم بنزول عيسى ـ عليه السلام ـ من السماء وحضوره مع المسلمين وقال ‏[‏كيف تهلك أمة أنا أولها وعيسى في آخرها‏]‏ فإذا كان النبيان الكريمان اللذان هما مع إبراهيم وموسى ونوح أفضل الرسل ومحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ سيد ولد آدم ولم يحتجبوا عن هذه الأمة لا عوامهم ولا خواصهم فكيف يحتجب عنهم من ليس مثلهم وإذا كان الخضر حيًا دائمًا فكيف لم يذكر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك فقط، ولا خلفاؤه الراشدين‏؟‏‏!‏‏!‏

وقول قائل إنه نقيب الأولياء، فيقال له، من ولاه النقابة وأفضل الأولياء أصحاب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وليس فيهم الخضر، وغاية ما يحكى في هذا الباب من الحكايات بعضها كذب وبعضها مبني على ظن رجال مثل شخص رأى رجلًا ظن أنه الخضر، وقال إنه الخضر، كما أن الرافضة ترى شخصًا تظن أنه الإمام المنتظر المعصوم أو تدعي ذلك‏.‏ وروي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال وقد ذكر له الخضر من أحالك على غائب فما أنصفك، وما ألقى هذا على ألسنة الناس إلا الشيطان‏.‏ انتهى المراد منه‏.‏

 الفصل التاسع‏:‏ الكشف الصوفي

 الإيمان بالغيب في الكتاب والسنة

من أصول الدين وقواعد الإيمان أن تعتقد أن الغيب علمه لله تعالى وحده سبحانه وتعالى وأنه يطلع وسبحانه تعالى على ما شاء من الغيب من شاء من أنبيائه ورسله فقط وأن الأنبياء لا يعلمون من الغيب إلا ما أعلمهم الله إياه كما قال سبحانه وتعالى لرسوله‏:‏ ‏{‏قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏188‏]‏‏.‏

وقال جل وعلا‏:‏ ‏{‏عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدًا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددًا‏}‏ ‏[‏الجن‏:‏26ـ28‏]‏‏.‏

وأمر رسوله محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يخبر الناس أنه ليس ملكًا ولا يملك خزائن الله ولا يعلم الغيب قال تعالى‏:‏ ‏{‏قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏50‏]‏‏.‏

وهذا الذي قاله الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو ما قاله نوح قبل ذلك‏.‏ قال تعالى على لسان نوح‏:‏ ‏{‏ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرًا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذًا لمن الظالمين‏}‏ ‏[‏هود‏:‏31‏]‏

وفي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏[‏مفاتيح الغيب خمسة لا يعلمها إلا الله‏:‏ لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله‏]‏‏.‏ وهذا الحديث يقرر قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيب ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏34‏]‏‏.‏

وفي صحيح البخاري أيضًا عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت‏:‏ من حدثك أن محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ رأى ربه فقد كذب وهو يقول‏:‏ ‏{‏لا تدركه الأبصار‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 103‏]‏‏.‏ ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب وهو يقول ‏{‏قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 65‏]‏‏.‏

فهذه الآيات والأحاديث ومثلها كثير جدًا قاطع بأنه لا يعلم أحد في السماوات والأرض الغيب إلا الله لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وأنه لا يعلم أحد من هؤلاء الغيب إلا ما أطلعه الله سبحانه عليه، فهاهم الملائكة يخلق الله آدم ولا يعلمون الحكمة من خلقه، ويعرض الله عليهم مسميات معينة ويقول لهم أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين، فيقولون سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، ويعلم الله آدم النبي الأسماء فيعلمها لهم، وآدم نبي مكلم كما جاء في الحديث الشريف، وهؤلاء الأنبياء لا يعلمون الغيب بنص القرآن وبمئات بل بآلاف الوقائع، فنوح لم يعلم أن ابنه ليس من أهله وأن زوجته على غير دينه، وإبراهيم لم يعلم بأنه يولد له ولد من زوجته سارة إلا بعد أن جاءته الملائكة ولقد جاءته الملائكة في صورة بشر فذبح لهم عجلًا وقربه إليهم وهو لا يعلم حقيقتهم حتى أعلموه، ولم يكن يعرف مقصدهم حتى أعلموه أنهم ذاهبون لتدمير قرى لوط، وأما لوط فإنه ساءته رؤية الملائكة علمًا أنهم قد أتوا لإنجائه وإنجاء أهله، ولم يعلم حقيقة أمرهم إلا بعد أن علموه ولم يكن له كشف خاص، ولا علم خاص يستطيع أن يعرف من القوم، وأما محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقد حدث له مئات بل آلاف الوقائع التي تدل يقينًا أنه لم يكن يعلم في الغيب إلا ما أعلمه الله إياه‏.‏‏.‏ فقد ظن أن جبريل الذي أتاه في الغار شيطان وقال لخديجة لقد خفت على نفسي، ولم يعرف أنه الملك حتى أتى ورقة بن نوفل فأخبره أن الكلام الذي جاء به يشبه الكلام الذي نزل على الأنبياء من قبله‏.‏‏.‏ ولم يدر بخلد النبي أنه سيؤذى ويخرج من مكة أبدًا علمًا بأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد مكث يتعبد في غار حراء سنوات طويلة، وعند الصوفية أن من لف رأسه بخرقه وجلس في مكان مظلم رأى الله، وعرف كل شيء وشاهد الكون أعلاه وأسفله‏.‏‏.‏ بل النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ مكث ثلاث عشرة سنة في مكة لا يعلم أين سيهاجر بعد ذلك، وبعد الهجرة خرج إلى أبي سفيان ففاته واصطدم بجيش المشركين وجاءه المشركون في المدينة المرة تلو المرة يزعمون أنهم قد آمنوا ويطلبون منه أن يرسل لهم من يعلمهم القرآن فكان يرسل معهم خيرة القراء، فيغدرون بهم في الطريق‏.‏‏.‏ فغدر المشركون بأربعين رجلًا من المسلمين مرة واحدة، وسبعة مرة، ولو علم رسول الله ما يكون من أمر الله بل لو علم أن هؤلاء الكفرة الأعراب يكذبون عليه لما أسلم لهم أصحابه وحبس المشركون يومًا وليلة في مكان ليس فيه ماء لأن السيدة عائشة رضي الله عنها قد فقدت عقدًا لها ولو كان هناك كشف صوفي على ما يصوره الصوفية ويزعمونه لعلموا أين عقد السيدة عائشة الذي كان تحت بعيرها ولم يفطن إليه أحد من المسلمين من أصحاب النبي‏.‏‏.‏ ورمى المنافقون السيدة عائشة بالزنا ـ شرفها الله وحماها وبرأها ولعن الله من سبهاـ ‏.‏‏.‏ ومكث رسول الله شهرًا كاملًا لا يدري ما يقول، وكان يستفتي أصحابه ويسأل علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، وبريرة خادمته ومولاته هل رأوا على عائشة شيئًا‏.‏‏.‏ ولم يستطع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يعلم حقيقة الأمر حتى أنزل الله براءتها من السماء‏.‏‏.‏ هذا إلى العشرات والمئات من الوقائع التي تبين أن رسول الله وأكرم خلق الله من البشر على الله لم يكن يطلع على شيء من الغيب إلا ما أطلعه الله بحكم النبوة‏.‏‏.‏

 الغيب في المعتقد الصوفي

ولكن الصوفية منذ القدم‏.‏‏.‏ منذ نشأتهم في الإسلام وإلى يومنا هذا عمدوا إلى هذا الأصل الأصيل من أصول الدين فهدموا بل اقتلعوا جذوره من قلوب من يسير في طريقهم وينتهج منهجهم هذا الأصل فهدموه جعله الله أول صفة في كتابه للمتقين حيث يقول ـ تبارك وتعالى ـ في سورة البقرة الثانية في القرآن بعد الفاتحة‏:‏ ‏{‏الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏1‏:‏ 3‏]‏‏.‏ الآية‏.‏

جعل الله صفة الإيمان بالغيب أول صفة للمتقين المهتدين بالقرآن والسنة وذلك حتى يوحد المؤمنون طريق التلقي فلا يتلقون غيبًا إلا من الله ومن أقامه للأخبار بالغيب عنه وهم رسله، وأنبياؤه فقط، جاء المتصوفة فكان أول هدم لهم في الإسلام أن يهدموا هذا الأصل فأقاموا شيئًا سموه ‏(‏الكشف الصوفي‏)‏ وهو يعني عندهم رفع الحجب أمام قلب الصوفي وبصره ليعلم ما في السماوات جميعًا، وما في الأرض جميعًا، فلا تسقط ورقة إلا بنظره ولا تقع قطرة ماء من السماء إلا بعلمه ولا يولد مولود، أو يعقد معقود، أو يتحرك ساكن أو يسكن متحرك إلا بعلم الصوفي‏.‏‏.‏ هكذا والله؛ وسيرى القارئ في هذا الفصل النقول من كتب القوم كلها تنص على أن الصوفي لا يقف أمامه حجاب، ولا يوصد أمامه باب، ولا يعجزه علم شيء في الأرض ولا في السماء‏.‏ فهو يعلم ما يكتب في اللوح المحفوظ ساعة بساعة، بل هو يعلم بأي لغة وأي قلم كتب اللوح المحفوظ، وماذا في أم الكتاب، وماذا كان منذ الأزل وماذا سيكون إلى الأبد، لا أقول قد ساوى الصوفية أنفسهم بالأنبياء بالغيب أو ساووا أنفسهم بالخضر الذي يزعمون النقل عنه لا والله بل جعلوا كل زنديق منهم ممن لا وزن له في خلق ولا علم جعلوا هؤلاء هم الله علمًا بكل شيء، وإحاطة بما في السماوات والأرض‏.‏‏.‏

وسيرى القارئ أن أي زندقة وأي كفر في الأرض لم يجرؤ كاتبوه ومؤيدوه أن يكتبوا مثل هذا ولكن الصوفية سبقوا كل الكفار في كل الملل والنحل والأقوام وكتبوا بأقلامهم ما لم يجرؤ أحد بتاتًا أن يكتبه أو يسطره فيما علمناه من الكفرة والزنادقة والملاحدة‏.‏‏.‏

لقد ترقى المتصوفة في قضية الكشف عندهم فزعموا أولًا أن الصوفي يكشف له معان في القرآن والحديث لا يعلمها علماء الشريعة الذين سموهم بعلماء الظاهر والقراطيس والآثار التي ينقلونها عن الموتى‏.‏‏.‏، وأما هم فيلتقون بالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقظة أحيانًا، ومنامًا أحيانًا ويسألونه ويستفيدون منه هذه العلوم ثم ترقوا فقالوا إن لنا علومًا ليست في الكتاب والسنة نأخذها عن الخضر الذي هو على شريعة الباطن وهو الذي يمد الأولياء بهذه الشريعة، فموسى ومحمد والأنبياء على شريعة ظاهرة، وأما الخضر فهو على شريعة باطنة يجوز فيها ما لا يجوز في الظاهر، فقد قتل الغلام بغير ذنب، وكسر السفينة لمن حملهم بغير نوال، وبنى الجدار إحسانًا منه لمن أساء إليهم‏.‏‏.‏ ومثل هذا ينكره أهل الظاهر كما أنكره موسى، ونحن في الباطن على شريعة الخضر وهو يلتقي بنا ونتعلم منه علومًا خاصة ينكرها أهل الظاهر لجهلهم‏.‏‏.‏ والعجيب أنه كان من هذا الدين الباطن الذي زعموا أخذه عن الخضر إتيان ‏(‏الحمارة‏)‏ والزنا، وشرب الخمر واللواط، والتعري، والصراخ في الطرقات، وسب المؤذنين للصلاة، وسب الأنبياء والإدعاء بأن كل مخلوق هو الله وإلقاء السلام على الكلاب والخنازير، والترحم على إبليس ومحاولة الوصول إلى مقامه، وجعل فرعون أعلم من موسى بالله وتبرئة قوم نوح من الشرك، وجعل الرسول محمد هو الله المستوي على العرش‏.‏‏.‏ هذه الأشياء قليلة جدًا من هذا الدين الباطني الذي زعم المتصوفة أنهم نالوه عن طريق الكشف الصوفي، وهو رفع الحجب عن القلوب والأبصار لرؤية الحق على ما هو عليه، وأن الخضر ـ عليه السلام ـ هو مبلغ كل هذا لهم، وتارة يترقون في هذا الكذب أو بالأحرى يهوون إلى أسفل سافلين في دعاوي الكذب هذه فيزعمون أنهم تلقوا هذه العلوم من ملك الإلهام كما تلقى محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ علومه من ملك الوحي، وأخرى يزعمون أنهم تلقوا علومهم هذه التي أشرنا إلى بعضها آنفًا من الله رأسًا وبلا وساطة وأنها انطبعت في نفوسهم من الله رأسًا وأنهم مطالعون الأمر في الأزل بأرواحهم، والأمر في الأبد يرونه كما يكون عليه الحال يرونه كذلك بأرواحهم بغير وساطة وأن همتهم تصل السماوات وما فوقها والأرض وما تحتها‏.‏‏.‏

ولقد وسع المتصوفة دائرة كشفهم هذه فزعموا أنهم يعلمون أسرار الحروف المقطعة من القرآن بطريق الكشف، وقصص الأنبياء يروونها على حقيقتها ويجتمعون بالأنبياء ويسألونهم عن تفاصيل قصصهم وما كان منهم‏.‏‏.‏ فيفيدون فوائد كثيرة دونها كثيرًا ما هو موجود فعلًا في القرآن، وأما الجنة والنار، فهم وإياها دائمًا رأي العين، بل هي ساقطة أصلًا من عيونهم لأن النار وما النار، لو بصق أحدهم عليها لأطفأها كما قال أبو يزيد وغيره منهم‏.‏‏.‏ وأما الجنة فالنظر إليها شرك وكفر لأنهم ينظرون إلى الله فقط‏.‏‏.‏

ولذلك قال قائلهم معيبًا على الصحابة عندما قرأ ‏{‏منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 152‏]‏‏.‏ قال‏.‏‏.‏ أف‏.‏‏.‏ أليس منكم أحد يريد الله‏.‏‏.‏ وقال آخر عن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 55‏]‏‏.‏ قال‏.‏‏.‏ ألهاهم عنه‏.‏‏.‏

باختصار لقد اكتشف المتصوفة بزعمهم للقرآن معاني غير التي يعرفها أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلماء الأمة على مر العصور‏.‏ لقد اكتشفوا هم عن طريق كشفهم الشيطاني أن للقرآن معاني أخرى وأن فيه علومًا كثيرة جدًا لا يعلمها غيرهم‏.‏‏.‏ وما هذه العلوم‏.‏‏.‏ إنها كل الفلسفات القديمة، والخزعبلات والخرافات التي عند فلاسفة الإغريق، وكهنة الهنادك والهندوس، وشياطين المجوس وإباحية المانوية والمزدكية، وخرافات القصاص من كل لون وجنس كل هذا وهذا جعله المتصوفة كشفًا وحقيقة صوفية ومعاني للقرآن الكريم ولحديث النبي الشريف‏.‏‏.‏

ومن أراد منهم أن لا ينسب هذه الخرافات والخزعبلات إلى القرآن والحديث، ورأى أنه تحقق بعلوم أكثر بكثير مما فيهما قال‏:‏

خضنا بحرًا وقف الأنبياء بساحله‏.‏‏.‏ فجعل نفسه أعظم معرفة وتحقيقًا مما لدى الأنبياء‏.‏‏.‏ وذلك لما رأى أنه قد جمع من الخرافات والخزعبلات والأساطير شيئًا نهى الرسل الصادقون عن افترائه وتناقله وتداوله‏.‏‏.‏ هذه هي حقيقة الكشف الصوفي الذي زعم أصحابه أنه ثمرة العبادة والتقوى والاتصال بالله والملائكة والأنبياء والخضر، وأنه نتيجة حتمية لسباحة أرواحهم في الأزل والأبد، والسماوات السبع وما فوقها والأراضين السبع وما تحتها‏.‏‏.‏ لقد أتونا بعد هذه السياحة الشيطانية بعشرات المجلدات والخرافات والخزعبلات بعد أن لبسوها وخلطوها ببعض العلم الذي جاء به الرسل فخلطوا الأمر على عامة المسلمين، وأضلوا من لا علم لهم بالكتاب والسنة، وظنوا فعلًا أن هؤلاء الناس صالحون وأن علومهم هذه قد أتوا بها فعلًا من الغيب، وخاصة أنهم رأوهم أحيانًا تجري على أيديهم بعض الحيل الشيطانية، وبعض الكرامات الإبليسية من خرق العادات أو الإخبار ببعض المغيبات ما هو عند الهندوس والمجوس والدجال وابن صياد أمثاله وأكثر منه مئات المرات، لقد أوهم العامة ما جرى على يد هؤلاء من هذه الكرامات الإبليسية التي هي حقًا أمثال شيطانية من ما يجري للكفار والمنافقين والدجالين، فظنوا أن هؤلاء من أهل الله حقًا، وأن الحجب ترتفع عنهم صدقًا وأن علومهم هذه آتية من الغيب يقينًا وبذلك راجت يومًا بضاعة هؤلاء الزنادقة وصرفوا المسلمين عن دينهم الحق وعقيدتهم المستقيمة‏.‏

وها نحن نورد بعد هذه المقدمة التي لا بد منها طائفة من النقول من كتب القوم المعتمدة التي تبين هذا الباطل الذي يدعونه ويسمونه كشفًا، وحقيقة، وعلمًا لدنيًا، وتحققًا واطلاعًا ليكون القارئ المسلم على بينه مما عليه هؤلاء الزنادقة‏.‏

عبدالكريم الجيلي وكتابه الإنسان الكامل‏:‏

هذا عبدالكريم الجيلي يكتب كتابه ‏(‏الإنسان الكامل‏)‏ زاعمًا أيضًا أنه من الله أخذه، وأن الله أمره بإخراج هذا الكتاب للناس وأنه ليس فيه شيء إلا وهو مؤيد بالكتاب والسنة يقول‏:‏

‏"‏‏.‏‏.‏ ثم ألتمس من الناظر في هذا الكتاب بعد أن أعلمه أني ما وضعت شيئًا في هذا الكتاب إلا وهو مؤيد بكتاب الله أو سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه إذا لاح له شيء في كلامي بخلاف الكتاب والسنة فليعلم أن ذلك من حيث مفهومه لا من حيث مرادي الذي وضعت الكلام لأجله فليتوقف عن العمل به مع التسليم إلى أن يفتح الله تعالى عليه بمعرفته، ويحصل له شاهد ذلك من كتاب الله تعالى أو سنة نبيه‏.‏

وفائدة التسليم هنا وترك الإنكار أن لا يحرم الوصول إلى معرفة ذلك، فإن من أنكر شيئًا من علمنا هذا حرم الوصول إليه ما دام منكرًا، ولا سبيل إلى غير ذلك، بل ويخشى عليه حرمان الوصول إلى ذلك مطلقًا بالإنكار أول وهلة، ولا طريق له إلا الإيمان والتسليم‏.‏

واعلم أن كل علم لا يؤيده الكتاب والسنة فهو ضلالة، لا لأجل ما لا تجد أنت له ما يؤيده، فقد يكون العلم في نفسه مؤيدًا بالكتاب والسنة، ولكن قلة استعدادك منعتك من فهمه فلن تستطيع أن تتناوله له بهمتك من محله فتظن أنه غير مؤيد بالكتاب والسنة، فالطريق في هذا التسليم وعدم العمل به من غير إنكار إلى أن يأخذ الله بيدك إليه‏"‏ ‏(‏الإنسان الكامل ص8‏)‏‏.‏

علمًا بأنه لم يضع فيه شيئًا مطلقًا وافق الكتاب والسنة، بل جمع فيه من الكفر والزندقة أعظم من كل كفر الأولين والآخرين كيف لا وقد جعل كل من عبد شيئًا في الأرض فما عبد إلا الله‏.‏ بل زعم أنه ليس في الوجود إلا الله، الذي خلق الوجود من نفسه لنفسه فليس هناك إلا هو فهو الرب والعبد، والشيطان والراهب،والسماء والأرض، والظلمات والنور، والحمل الوديع والذئب الكاسر‏.‏‏.‏

تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا واستغفر الله من تسطير ذلك وكتابته‏.‏‏.‏ اللهم رحماك رحماك‏.‏‏.‏ لقد قلت في كتابك عن الذين ادعوا الألوهية في عيسى وهو نبي كريم ونفس طيبة ‏{‏كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 5‏]‏‏.‏ وقلت أيضًا ‏{‏تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدًا أن دعوا للرحمن ولدًا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 90‏:‏ 93‏]‏‏.‏‏.‏ وهذا الزنديق يا ربي وأمثاله جعلوا كل كلب وخنزير في الأرض، وكل شيطان وإبليس وكل كافر وفاجر جزءًا منك، ومظهرًا لك ‏(‏ومجلى‏)‏ ـ حسب عبارتهم ـ من مجاليك وتجلياتك ثم أنت ترزقهم وتعافيهم وتحلم عليهم سبحانك ما أحلمك وأجلك وأعظمك‏.‏ لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك‏.‏ ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت‏.‏

نعود إلى الجيلي وكتابه الذي يقول فيه بالنص‏:‏

‏"‏وكنت قد أسميت الكتاب على الكشف الصريح وأيدت مسائله بالخبر الصحيح ‏(‏‏.‏‏.‏انظر‏)‏ وسميته بالإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل‏"‏ ثم يقول‏:‏ ‏"‏فأمرني الحق الآن بإبرازه بين تصريحه وإلغازه، ووعدني بعموم الانتفاع فقلت طوعًا للأمر المطاع، وابتدأت في تأليفه متكلًا على الحق في تعريفه، فها أنا ذا أكرع من دنه ‏(‏الدن‏:‏ هو وعاء الخمر الذي يخمر فيه‏)‏ القديم، بكأس الاسم العليم، في قوابل أهل الإيمان والتسليم خمرة مرضعة من الحي الكريم، مسكرة الموجود بالقديم‏)‏ ا‏.‏هـ ‏(‏ص6‏)‏‏.‏

ما الذي يتكلم عليه الجيلي في هذا الكتاب‏:‏

إن كتابه من أوله وآخره يدور حول معنى واحد وهو وصف الله بصفات مخلوقاته، وبيان أن المخلوق هو عين الخالق‏.‏‏.‏ هذا كل ما يريد الجيلي أن يصل إليه وهذا هو ما شرحه شرحًا كاملًا في كتابه، وأضاف أن محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو الإنسان الكامل والإله الكامل الذي اتصف بكل صفات الله بعلوها وسفلها، بحلوها ومرها؛ فقل هو الله أحد معناها كما يفسرها الجيلي‏:‏ قل يا محمد الإنسان هو الله أحد‏.‏ فهاء الإشارة في ‏(‏هو‏)‏ راجع إلى فاعل قل وهو أنت‏.‏‏.‏ فيكون المعني يا محمد هو أي أنت الله أحد‏.‏‏.‏ هذا هو الكشف الذي كشفه لنا الجيلي من الغيب وهذا هو الكتاب الذي ليس فيه شيء يخالف الكتاب والسنة‏.‏

وهذا نص عبارة الجيلي في ذلك‏:‏‏.‏‏.‏

‏"‏الحرف الخامس من هذا الاسم‏:‏ هو الهاء، فهو إشارة إلى هوية الحق الذي هو عين الإنسان قال الله تعالى ‏(‏قل‏)‏ يا محمد ‏(‏هو‏)‏ أي الإنسان ‏(‏الله أحد‏)‏ فهاء الإشارة في هو راجع إلى فاعل قل وهو أنت، وإلا فلا يجوز إعادة الضمير إلى غير مذكور أقيم المخاطب هنا مقام الغائب التفاتًا بيانيًا إشارة إلى أن المخاطب بهذا ليس نفس الحاضر وحده، بل الغائب والحاضر في هذا على السواء‏.‏

قال الله تعالى ‏{‏ولو ترى إذ وقفوا‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 27‏]‏‏.‏ ليس المراد به محمدًا وحده بل كل راء، فاستدارة رأس الهاء إشارة إلى دوران رحى الوجود الحقي والخلقي على الإنسان، فهو في عالم المثال كالدائرة التي أشارت الهاء إليها، فقل ما شئت إن شئت قلت الدائرة حق وجوفها خلق، وإن شئت قلت الدائرة خلق وجوفها حق فهو حق وهو خلق، وإن شئت قلب الأمر فيه بالإلهام، فالأمر في الإنسان دوري بين أنه مخلوق له ذل العبودية والعجز وبين أنه على صورة الرحمن، فله الكمال والعز‏.‏

قال الله تعالى ‏(‏والله هو الولي‏)‏ يعني الإنسان الكامل الذي قال فيه ‏(‏ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون‏)‏ لأنه يستحيل الخوف والحزن وأمثال ذلك على الله لأن الله هو الولي الحميد ‏(‏وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير‏)‏ أي الولي، فهو حق منصور في صورة خلقية، أو خلق متحقق بمعاني الإلهية، فعلى كل حال وتقدير وفي كل مقال وتقرير هو الجامع لوصفي النقص والكمال، والساطع في أرض كونه بنور شمس المتعال، فهو السماء والأرض، وهو الطول والعرض، وفي هذا المعنى قلت‏:‏

لي الملك في الدارين لم أرى فيهما ** سواي فأرجو فضله أو فأخشاه

ولا قبل من قبلي فالحق شأنـــه** ولا بعد من بعدي فأسبق معناه

وقد حزت أنواع الكمال وإننــي ** جمال جلال الكل ما أنا إلا هو

فمهما ترى من معدن ونباتـــه ** وحيوانه مـــع أنه وسجاياه

ومهما ترى من عنصر وطبيعـة ** ومن هباء الأصل طيب هيولاه

ومهما ترى من أبحر وقفـــاره**ومن شجر أو شاهق طال أعلاه

ومهما ترى من صورة معنوية ** ومن شـــهد للعين طال محياه

إلى أن يقول‏:‏

فإني ذلك الكل والكل مـشهدي** أنا المتجلي فــي حقيقته لا هو

‏"‏ ‏(‏ص31‏)‏ ويشرح الجيلي هذا المعنى المجمل تفصيليًا في الباب الستين من كتابه فيقول بالنص‏:‏

الباب الملفى ستين‏:‏ في الإنسان الكامل وأنه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنه مقابل للحق والخلق‏.‏

‏"‏اعلم حفظك الله أن الإنسان الكامل هو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوله إلى آخره، وهو واحد منذ كان الوجود إلى أبد الآبدين، ثم له تنوع في ملابس ويظهر في كنائس ‏(‏الكنيسة مكان العبادة عند النصارى‏.‏ والمعنى المشار إليه هنا أنه يوصف بالشيء ونقيضه كما قال فريد الدين العطار‏:‏ وما الكلب والخنزير إلهنا ** وما الله إلا راهب في كنيسة‏.‏

فيسمى به باعتبار لباس، ولا يسمى به باعتبار لباس آخر، فاسمه الأصلي الذي هو له محمد، وكنيته أبو القاسم، ووصفه عبدالله، ولقبه شمس الدين، ثم له باعتبار ملابس أخرى أسام، وله في كل زمان اسم ما يليق بلباسه في ذلك الزمان، فقد اجتمعت به ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو في صورة شيخي الشيخ شرف الدين اسماعيل الجبرتي، ولست أعلم أنه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكنت أعلم أنه الشيخ، وهذا من جملة مشاهد شاهدته فيها بزبيد سنة ست وتسعين وسبعمائة وسر هذا الأمر تمكنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من التصور بكل صورة، فالأديب إذا رآه في الصورة المحمدية التي كان عليها في حياته فإنه يسميه باسمه، وإذا رآه في صورة ما من الصور وعلم أنه محمد فلا يسميه إلا باسم تلك الصورة، ثم لا يوقع ذلك الاسم الأعلى الحقيقة المحمدية‏.‏

ألا تراه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما ظهر في صورة الشبلي ـ رضي الله ـ عنه قال الشبلي لتلميذه أشهد أني رسول الله وكان التلميذ صاحب كشف فعرفه، فقال‏:‏ أشهد أنك رسول الله، وهذا أمر غير منكور وهو كما يرى النائم فلان في صورة فلان‏.‏ وأقل مراتب الكشف أن يسوغ به في اليقظة ما يسوغ به اليقظة ما يسوغ به في النوم، ولكن بين النوم والكشف فرقًا وهو أن الصورة التي يرى فيها محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في النوم لا يوقع اسمها في اليقظة على الحقيقة المحمدية، لأن عالـم المثال يقع التعبير فيه فيعبر عن الحقيقة المحمدية إلى حقيقة تلك